برنامج منارات الشرق | الشيخ علي بيتاي.. مدرسة في القيادة والإصلاح ورائد السلام الاجتماعي في شرق السودان أو
بورتسودان

الشيخ علي بيتاي قائد الشرق الذي صنعته المواقف ولم تصنعه الخطب والشعارات
قلّ أن يجود الزمان برجالٍ تتجاوز آثارهم حدود أعمارهم، ويظل حضورهم حيًا في وجدان الناس بعد رحيلهم. وكان الشيخ علي بيتاي واحدًا من أولئك الرجال الذين لم يكتفوا بترك سيرةٍ طيبة، بل صنعوا تاريخًا ناصعًا من العلم والإصلاح، وتركوا إرثًا تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل.
وبعد تأملٍ طويل، وبإنصافٍ لا يعرف المجاملة، يزداد اليقين يومًا بعد يوم بأن الشيخ علي بيتاي كان من أعظم الرجال الذين أنجبتهم أرض شرق السودان، وأكثرهم تأثيرًا في مجتمعهم، وأعمقهم بصمةً في حياة الناس. فقد كرّس حياته لخدمة الدين والإنسان، وجعل من العلم والإصلاح رسالةً حملها بإخلاص حتى آخر أيامه.
لم تكن رسالته دعوةً دينية فحسب، بل كانت مشروعًا متكاملاً لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع. أفنى عمره في نشر العلم، وإحياء السنة النبوية، وترسيخ مكارم الأخلاق، وغرس قيم التسامح والتكافل، وجمع الناس على كلمة سواء، وخدمة الجميع دون تمييز. ولم يكن قائدًا تصنعه الخطب والشعارات، بل قائدًا تصنعه المواقف، وتشهد له الإنجازات، ويخلّد أثره العمل الصادق.
ومن أعظم مآثره أنه كان رجل سلامٍ في زمن الخصومات، وحكيمًا في لحظات الانقسام، يطفئ نار الفتنة قبل أن تمتد، ويبني جسور المحبة حيث كادت الخلافات أن تهدم كل شيء. فغدت جهوده في إصلاح ذات البين والصلح بين القبائل نموذجًا نادرًا للحكمة وبعد النظر وتقديم المصلحة العامة على كل اعتبار، حتى استحق أن يُذكر اسمه كلما ذُكر المصلحون الكبار.
لقد كان الشيخ علي بيتاي مدرسةً قائمة بذاتها في القيادة والإصلاح، ورمزًا للوحدة والتسامح، وصوتًا للعقل والحكمة، ورجلاً حمل همَّ مجتمعه بإيمانٍ وإخلاص، فسعى إلى نهضته دينيًا وتعليميًا واجتماعيًا وإنسانيًا، حتى أصبح اسمه مرادفًا للعطاء والإصلاح وخدمة الناس.
فالرجال العظام لا تُقاس قيمتهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بحجم النور الذي أشعلوه في حياة الآخرين، وبما يتركونه خلفهم من علمٍ نافع، وإصلاحٍ دائم، وقلوبٍ جمعوها بعد فرقة، ونفوسٍ أعادوها إلى طريق الخير. وتلك هي الخلود الحقيقي الذي لا تصنعه المناصب، بل تصنعه الأعمال الصالحة، ويشهد عليه التاريخ، وتحفظه ذاكرة الشعوب.
رحل الشيخ علي بيتاي عام 1978م، لكن سيرته ومآثره بقيت حاضرة في وجدان أهل الشرق والسودان عامة، شاهدةً على حياةٍ حافلة بالعطاء والإصلاح، وعلى قائدٍ صنعته المواقف الصادقة، فاستحق أن يخلده التاريخ في سجل العظماء.

